يقع القصر في حي الشيخ جراح شمال القدس، و قد بناه أديب العربية محمد إسعاف بن عثمان النشاشيبي عام 1340 هـ / 1922 م. يتكون من طابقين مساحة كل منهما 296م، و تحيط به حديقة ما زال بابها على قدمه و على جانبي الحديقة نخلتان باسقتان عمريهما عمر القصر.
و امتاز القصر بأحجاره الزهرية و زخرفه و بتعدد شرفاته المزينة بالقاشاني الأزرق. و ما زالت جدران القصر يناجي بعضها بعضا و ما زالت تهمس في آذان الزائرين فتحدثهم عما اتكأ عليها من كتب و مخطوطات ضمت بين دفاتها فيضا من ذخائر العرب، و ما زالت أسقفه ترفو إلى أرياب أفكار و أقلام من تسامروا تحتها في عهود غبرت و في خلال دول سادت ثم أدبرت.
مكانته الأدبية و الثقافية:
لقد عاش محمد إسعاف النشاشيبي يغني موال الله و الرسول و القرآن، و تغني باللغة و التراث. و أفنى عمره في شراء المخطوطات الأدبية النادرة و التي تبارى الجهلة و اللصوص من بني اليهود و العرب على سرقتها أو حرقها أو تبديدها خلال النكبة عام 1948م. و يشاء القدر أن يموت إسعاف بعيدا عن بلده و يدفن في القاهرة, و أن يضمه التراب الذي ضم من قبله رفاق الشعر و الأدب.
و لا ريب بأن هذا القصر كان محجا للأدباء و الشعراء و المفكرين العرب من فلسطين
و الدول العربية حتى حلت النكبة و كوارث الاحتلال الأجنبي عام 1948م. و من جملة من دخل القصر من فلسطين الحاج أمين الحسيني و السيخ حسام الدين جار الله و إبراهيم طوقان, و خليل السكاكيني و عبد الكريم الكرمي.كذلك كان ملتقى المفكرين و الأدباء من كافة الأقطار العربية أمثال شكيب أرسلان، الرصافي، المازني، خليل مردم، الزيات، و بشارة خوري و غيرهم
بعد النكبة و رحيل إسعاف اتخذ القصر مقرا للقنصلية الفرنسية. و في عام 1956 ثارت مظاهرة ضد الأعمال الوحشية الفرنسية في الجزائر، و تم اقتحام القصر و إضرام النار في الطابق الأرضي حيث أطلق أحد الضباط الرصاص و قتلت الطالبة رجاء أبو عماشة إحدى طالبات الصف الثالث الإعدادي في المدرسة القادسية.
تم اتخاذ القصر مقرا للقنصلية السعودية.
تم اتخاذه مقرا لمدرسة الآثار الألمانية عام 1964م.
بعد ذلك دخل في حوزة مؤسسة دار الطفل العربي عام 1982م، حيث أسس فيه الدكتور اسحق موسى الحسيني "رحمه الله" مركزا للأبحاث الإسلامية عام 1986م، و الذي أصدر عدة أبحاث تراثية و فكرية.
و تم تأسيس مكتبة قيمة في الطابق العلوي تشمل مكتبات أو أجزاء من مكتبات أهديت من عدد من مشاهير رجالات القدس أمثال عارف العارف، و فوزي يوسف، و د. اسحق موسى الحسيني، و محمد يونس الحسيني، و اسحق درويش، و ناصر الدين النشاشيبي، و فريد موسى كاظم الحسيني، إضافة إلى مجموعة نفيسة من المخطوطات التي جمعها د. اسحق موسى الحسيني من بعض العائلات المقدسية.
و من كلمة للمرحوم الدكتور إسحق موسى الحسيني:
" إني أكتب هذه الكلمة في بيت أستاذي الجليل محمد إسعاف النشاشيبي، و أعترف بأني عاجز عن إيفاء أستاذي حقه من التبجيل و التقدير. فقد كان إماما في العربية و أدبها، قل ضريبه و عز نظيره. و لا تعرف بيت المقدس من يطاوله و يعلو عليه شغفا بالعربية
و كشف محاسنها و إعلاء إنشائها و التبصير بتراثها."
و من كلمة لأحمد حسن الزيات:
" لقد وقف نفسه و وقته و جهده على دراسة الإسلام الصحيح من مصادره الأولى
و تحصيل اللغة العربية و علومها و آدابها من منابعها الصافية. فكان آية من آيات الله في سعة الإطلاع و كثرة الحفظ و تقصي الأطراف و تمحيص الحقائق. لم يكتب للشهرة و المجد و إنما يكتب للعصبية و العقيدة، أخلص لله فأخلص لقرائه."
قصر إسعاف النشاشيبي مركز الثقافة و الآداب و الفنون:
و استمرارا لعظمة هذا القصر الأدبية و الثقافية كان من حسن طالعه أن المتعاقبين على إدارته حافظوا على مكانته الأدبية و سلامة بنيانه فبقي على حاله منذ تشييده. و ما زال شوقه العميق يشده نحو ماضيه العريق و ما زال بنيانه شاهدا على أحداث طالما عصفت بالقدس من حوله.
قصر إسعاف و دار الطفل العربي:
و بعد أن انضم القصر إلى مؤسسة دار الطفل العربي كان اهتمام مجلس الأمناء بتفعيل هذا القصر فنيا و أدبيا و ثقافيا. فكان الافتتاح الكبير بتاريخ 15-7-1999، و بعدها أصبح القصر مقرا لمكتبة قيمة يزورها العشرات من المفكرين و الأدباء.
كما تقام فيه المحاضرات و الأمسيات الشعرية و المعارض المنوعة: معارض الكتب
و المنتوجات الشعبية الفلسطينية و مسابقات س ج بين المدارس.
و لا شك أن قصر إسعاف هو صرح شامخ في مدينة القدس التي أحبها هو و يحبها الملايين. و ليبق هذا الصرح شامخا بإدارته و أهله و زواره.